ابن عجيبة
340
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
روى معاذ رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال له : « يا معاذ ، أتحبّ أن يقضى اللّه عنك دينك ؟ » قال : نعم يا رسول اللّه ، قال : « قل » ( اللهم مالك الملك ) إلى قوله : ( بغير حساب ) ، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما ، تعطى منهما ما تشاء ، وتمنع منهما ما تشاء ، اقض عنى ديني ، فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا وفضة لأدّاه اللّه عنك » . وروى عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : الفاتحة ، وآية الكرسي ، و ( شهد اللّه ) ، و ( قل اللهم مالك الملك . . . ) إلى ( . . . بغير حساب ) ، لمّا أراد اللّه أن ينزلهن ، تعلقن بالعرش وقلن : تهبطنا إلى دار الذنوب فقال اللّه عز وجل : وعزتي وجلالي لا يقرؤكن عبد ، دبر كل صلاة مكتوبة ، إلا أسكنته حظيرة القدس ، على ما كان فيه ، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة ، وقضييت له في كل يوم سبعين حاجة ، وأعززته من كل عدو ، نصرته عليه . . . » الحديث « 1 » . انظر الثعلبي . الإشارة : من ملك نفسه وهواه فقد ملكه اللّه ملك الدارين ، ومن ملكته نفسه وهواه فقد أذله اللّه في الدارين ، ومن ملك نفسه لله فقد مكنه اللّه من التصرف في الكون بأسره ، وكان حرا حقيقة ، وفي ذلك يقول الشاعر : دعوني لملكهم ، فلمّا أجبتهم * قالوا : دعوناك للملك لا للملك ومن أذلّ نفسه لله فقد أعزه اللّه ، قال الشاعر : تذلّلّ لمن تهوى لتكسب عزّة * فكم عزّة قد نالها المرء بالذّلّ إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن * ذليلا له ، فأقر السّلام على الوصل قال ابن المبارك : ( قلت لسفيان الثوري : من الناس ؟ قال : الفقهاء ، قلت : فمن الملوك ؟ قال : الزهاد ، قلت : فمن الأشراف ؟ قال : الأتقياء ، قلت فمن الغوغاء ؟ قال : الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس ، قلت : أخبرني ما السفلة ؟ قال : الظلمة . ) وقال الشبلي : ( الملك هو الاستغناء بالمكون عن الكونين ) . وقال الوراق : ( تعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى ، وتذل من تشاء باتباع الهوى ) . قلت : وفي ذلك يقول البرعى رضي اللّه عنه : لا تتبع النّفس في هواها * إنّ اتّباع الهوى هوان وقال وهب : « خرج الغنى والعز يجولان ، فلقيا القناعة فاستقرا » . وقال عيسى عليه السّلام لأصحابه : أنتم أغنى من الملوك ، قالوا : يا روح اللّه ؛ كيف ، ولسنا نملك شيئا ؟ قال : أنتم ليس عندكم شئ ولا تريدونها ، وهم عندهم أشياء ولا تكفيهم ه .
--> ( 1 ) الحديث : أخرجه ابن السنى في عمل اليوم والليلة . عن سيدنا على مرفوعا وفي سنده الحارث بن عمير البصري . قال ابن حبان : يروى عن الأثبات الموضوعات ، وأورد له الذهبي هذا الحديث على سبيل الإنكار .